05 May, 2011

الاضراب.. عشقاً



الإضراب.. عشقاً!
سألوني عن إضراب الأطباء..
لم أُجِب..
عادوا.. و كرروا تساؤلهم..
ظنوا أني لم اسمعهم..
ليتهم ما سألوا..
و ليتني ما سمعتهم..
كنتُ مكتفياً بالتضامن و الوفاق و الايجابية في مشاركة زملائي الأطباء..
في إضراب الألم..
الإضراب عن العشق..
يبدو أن لهذه المهنة ضرائب عديدة لم أكن اعلمها..
كنتُ مدركا للكثير من مفرداتها..
و تضحياتها و محاورها منذ صباي كوني ابنا لطبيب..
يكفي أنها تقتنص العُمر.. و نحن بقنصها راضون!!.. و ساعون!!..
تذكرت الثلاثة أيام بعد جمعة الغضب حينما لم أمارس مهنتي.. و انتابتني حالة غريبة.. حسبتها أولا مثلما ينتاب المدمنين.. أو يقارب ما يشعر به المعتادون على شئ ما..
إلا أن التفسير الأصوب هو إنني لم أشاهد معشوقتي ثلاثة أيام..
هو أمر لم اعتده..
أن ابتعد عن سماعتي الطبية.. كل هذه الفترة..
و يا لسعادتي حينما عدتُ إليها..
لَكَم يتألم الطبيب منا و هو يضغط على ذاته ليُضرِب..
يُضرب عن ممارسة الفن الذي عشقه.. عالما انه أفنى و يفني ذاته في سبيل هذا العشق..
المعضلة أن المجتمع ربما يتفهم طبيعة عمل الكثير من المهن.. ربما جميعها..
إلا.. عمل الطبيب..
إلا عمل الطبيب..
الطبيب المُضرب عن عشقه طوعاً.. هو الباحث عن طموح عملي و ذهني يرضي عقله الفائق..
هل سمعنا عن شخص يقوم بإضراب لأنه يريد تدريبا أفضل و أقوى في مجاله؟!..
هل سمعنا عن شخص يقوم بإضراب لأنه يريد ممارسة أكثر رقيا و حرفيةً لمهنته؟!..
يا الهي.. ما هذه المهنة.. و ما هذا الرقي..
يقولون إنها طلبات مادية.. مالية..
و أقول.. إن ممارسة إدمان المهنة يحتاج لشيطان الحياة.. المال..
هل يصير الطبيب طبيباً إلا بمواصفات في وجدان المجتمع لا تتحقق إلا بالمال؟!..
أتساءل..
متى يتخلص مجتمعنا من أَسر نهر النيل؟!..
النهر الهادئ الرتيب استطاع أن يصبغ الوطن و سكانه مع تباين أطيافهم بإيقاعه الخاص المُمِل..
أهل بلادي يتمتعون بالصبر.. الهدوء.. السباحة بسلاسة مع أمواج الأيام.. النيلية..
الكثير من أهل بلادي لا يتقدمون للطبيب إلا عند وصول الموقف الطبي إلى آفاق حرجة..
الكثير من أهل بلادي يستشيرون الدكتور الصيدلي الذي لا يستطيع اجتماعيا مقاومة صرف علاج دون تذكرة طبيب..
الكثير من أهل بلادي يلجأون لطبيب الصحة توفيراً لعبوات الدواء الحكومية.. دون الوقوف على إجراءات طبية سليمة.. و حقيقية.. و علمية..
الكثير من أهل السلطة في بلادي يتوجسون من عشاق الطب.. إذا امسكوا بقلم.. أو نقروا على لوحة مفاتيح كمبيوترية.. يقضون مضاجع.. وثيرة.. ناعمة..
الحكماء دورهم ريادة في مجالات شتى.. اجتماعياً.. تثقيفياً.. و إن سعوا إلى تطهير أهل بلادي من طباع نهرهم الخالد..
الأطباء هم بالفعل مرضى..
مرضى بعشق مهنتهم..

No comments: